صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
225
أنس المسجون وراحة المحزون
وإن يفن ما تعطيه في اليوم أو غد * فإنّ الذي أعطيك يبقى على الدّهر 597 - حدثني الشيخ الصالح أوحد الدين الكرماني « 1 » قال : كان بهراة « 2 » رجل « 3 » قد خصّه اللّه بتشبيه الخطوط ، وحكاية خطّ من شاء ، قال : فكتب هذا الرّجل توقيعا عن السّلطان شهاب الدّين الغوريّ « 4 » ، صاحب هراة إلى النّواب بها بمبلغ خمس مئة دينار لنفسه ، وحكى خطّ الكاتب ، وتوقيع السّلطان ، وأحضره إلى النّواب ، فلمّا وقف النائب عليه قبّله وقبله بالسّمع والطّاعة ، وهمّ ليوصله المبلغ في وقته ، فتناول النّاظر التّوقيع ليشاهده ، وكان يعرف الرّجل بالتّزوير ، فلما شاهده شكّ فيه ، وتقدّم إلى النّائب ، وقال له مسرّا : المصلحة تأخير المبلغ إلى حيث معاودة السّلطان في ذلك ، فإنّ هذا الرّجل معروف بالتّزوير . وكان السّلطان منتزحا عن هراة في بعض حروبه ، فقال له النّائب : تؤخّرنا أياما إلى حين تحصيل المبلغ . فعلم الرّجل أنّه قد علم بحاله ، فقام وهو لا يعلم أين يهتدي ، وركب لوقته وقصد السّلطان ، فلمّا وصل مخيّمه طلب الإذن في الحضور ، فلمّا أذن له ، طلب الخلوة ، فلمّا خلا الموضع ، قال : يا مولانا ، قد فعلت كيت وكيت ، وذكر قصّة التّوقيع ، وقد حضرت مقرّا بذنبي ، فإن قتلتني فحقّ لك ، وإن عفوت عنّي فبفضلك .
--> - وإنك إن أعطيتني ثمن الغنى * حمدت الذي أعطيك من ثمن الشكر ( 1 ) تقدمت ترجمته صفحة ( 14 ) . ( 2 ) هراة : مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان . معجم البلدان . ( 3 ) جاء في البداية والنهاية 13 / 43 في وفيات سنة ( 601 ) : أبو غالب بن كمنونة اليهودي الكاتب كان يزوّر على خط ابن مقلة من قوة خطّه ، توفي لعنه اللّه بمطمورة واسط . . فلعله هو . ( 4 ) شهاب الدين الغوري ، أبو المظفر محمد بن سام صاحب غزنة ، وكان ملكا جليلا مجاهدا ، واسع الممالك حسن السيرة ، وهو الذي حضر عنده فخر الدين الرازي وقال : يا سلطان ، لا سلطانك يبقى ولا الرازي يبقى وإن مردنا إلى اللّه . فانتحب السلطان يبكي ، قتلته الإسماعيلية بعد قفوله من غزوة الهند سنة ( 602 ) . الكامل 12 / 212 ، والعبر 5 / 4 ، والبداية والنهاية 13 / 43 .